الحياة ليست سلسلة من الجد الدائب والعمل الموصول بل فيها البشاشة
والفكاهة للتخفيف من قسوتها وصرامتها بجانب من اللهو البريء، وقسط من
الدعابة الخفيفة والفكاهة الميسورة، وقد قيل: إن الضحك نزعة عميقة الجذور
فى نفس الانسان حتى وصفوا الانسان بأنه حيوان ضاحك بجوار وصفهم له بأنه
حيوان ناطق وكثير من الناس يتوهمون أن الدين يقف حائلا منيعا دون الفكاهة
والدعابة مع أن دين الله يسر لا عسر ورحمة لا نقمة وسماحة بلا حرج وتخفيف
بلا عنت.
ومن مظاهر هذه السماحة أنه لم ينكر على الانسان أن يأخذ حظه المعقول
المقبول من المتعة السليمة والزينة القويمة والطيبات من الرزق والفكاهة
التى تشرح ولا تجرح والدعابة البريئة غير الجريئة. إذا كانت بعض الأخبار
أو الآثار وردت فى النهى عن المزاح فإن القصد الافراط فيه والمداومة عليه
بكثرة فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "روّحوا عن القلوب ساعة بعد
ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت".
ولقد وعى أدب السيرة النبوية طائفة من المواقف التى تصور فنونا من دعابة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومزاحه مع احتفاظه بالحق والصدق فى مجال
الدعابة والمزاح فقد روى أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
تسأله أن يحملها على جمل تستخدمه فقال لها مداعبا "إنا حاملوك إن شاء الله
على ولد الناقة" ففهمت المرأة من "ولد الناقة" أنه القعود صغير السن الذى
لا يطيق حملا ولا عملا فقالت "يا رسول الله وما أصنع بولد الناقة؟ وهل
يستطيع أن يحملني؟" "لا أحملك إلا عليه" ثم أضاف موضحا "وهل يلد الإبل إلا
الناقة؟".
ومن مجموعة أحاديثه عليه الصلاة والسلام "ألهوا والعبوا فإنى أكره أن يرى
فى دينكم غلظة" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد الفكاهة أو
الدعابة من صحابته فيرتضيها ويضحك لها ويسرّ بها وفى بعض الأحيان يشارك
الرسول صحابته فى الفكاهة فيداعبهم بنفسه ومن شواهد ذلك أنه قال لأنس بن
مالك "ياذا الأذنين" وهى كلمة ظاهرها المزاح وباطنها المدح والتقدير فكأنه
قال له: أيا صاحب الأذنين السمّيعتين الواعيتين لما سمعتا.
كما كان النبى صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يزيل الشبهة من نفس الذى
يسيء الظن باللهو البريء والفكاهة السليمة فهذا حنظلة أحد الصحابة يحضر
مجلسا لرسول الله فيتأثر به كثيرا ثم يرجع إلى أهله فيداعب ويلاعب ثم
يتنبه إلى الفرق بين حاله مع أهله وحاله بين يدى الرسول فيعود مذعورا
ليقول: نافق حنظلة يا رسول الله كنا عندك فوعظتنا موعظة وجلت منها القلوب
وذرفت العيون ثم رجعت إلى أهلى فأخذنا فى حديث الدنيا ونسيت ما كنا عندك
عليه فقال له النبى متلطفا: يا حنظلة لو أنكم كنت أبدا على تلك الحالة
لصافحتكم الملائكة على أفواه الطريق ولكن يا حنظلة ساعة وساعة أى ساعة
لربك وساعة لقلبك.
هذه بعض من الفكاهة والدعابة فى مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وصحابته فلنقتد به، ولنترك القيود والسدود التى يضعها المتوهّمون الذين لا
يدركون حقيقة الاسلام وحياة المسلمين المتفتحة فمن المعروف أن يلقى
الانسان أخاه بوجه طلق "إن الله يحب السهل الطلق الوجه".
فالاسلام لا يرفض الفكاهة المشرحة التى لا تؤذى بل تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبته وقومه وأمته.
قال حكيم "الاقتصاد فى المزاح ظرف، والافراط فيه ندامة" قال سعيد بن
العاص "اقتصد فى مزحك فإن الافراط فيه يذهب البهاء ويجرئ السفهاء" وقال
عمر بن الخطاب رضى الله عنه "من أكثر من شيء عرف به، ومن مازح استخف به
ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته" وقال عمر بن عبد العزيز "إياك والمزاح فإنه يجر
إلى القبيحة، ويورث الضغينة" وقال سعيد بن العاص "لا تمازحنّ الشريف
فيحقدنّ عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك" وقيل "إنما سمّى المزاح مزاحا لأنه
يزيح عن الحق" وهذا ابن السعادات الشجرى يحذر من المبالغة فى المزاح يقول:
"لا تمزحنّ فإن مزحت فلا يكن مزحا تضاف به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحة تعود عداوة إن المزاح على مقدمة الغضب".
السبت, 26 يوليو, 2008
حامد المهري
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








